{والفجر. وليالٍ عشر. والشفع والوتر}
كلمة بمناسبة شهر ذي الحجة و الأيام العشر الأولى فيه
الشيخ علي المسترشد
يوم الجمعة 2 ذي الحجة 1430هـ
صلاة الظهرين- مسجد خلف/ المنامة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمدٍ وآله محمد وعجل فرجهم
اللهم هذه الأيام التي فضلتها على الأيام وشرفتها قد بلغتنيها بمنِّك ورحمتك فأنزل علينا من بركاتك وأوسع علينا فيها من نعمائك. أللهم إني أسألك أن تصلي على محمدٍ وآل محمد وأن تهدينا فيها لسبيل الهدى والعفاف والغنى والعمل فيها بما تحب وترضى..."
قال تعالى
{إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم، وقاتلوا المشركين كافة، كما يقاتلونكم كافة، واعلموا أن الله مع المتقين}. التوبة-36
ورد في حديث:
"إن لله في أيام دهركم نفحات.. ألا فتعرضوا لها ولا تعرضوا عنها"
نحن الآن في شهر ذي الحجة الحرام، وهو من أعظم الأشهر، وفيه موسم عبادي مميز، وفيه مجموعة من المناسبات العظيمة التي تزيده شرفاً وعظمة.
* الإسم:
قد سمي ذو الحجة بذلك لأنه الشهر الذي تؤدى فيه مناسك الحج.
* فضيلة ذي الحجة:
قال الشيخ المفيد: "ذو الحجة وهو أكبر أشهر الحرم وأعظمها، وفيه الإحرام بالحج وإقامة فرضه، ويوم عرفة، ويوم النحر".
(1)
* أدب الدخول فيه
هناك فارق مهم بين أن يكون الإنسان في الشهر الحرام وغيره من الشهور، كما أن هناك فرق بين ما بعد تكبيرة الإحرام وما قبلها، كما أن هناك فرق بين ما قبل لبس ثوبي الإحرام في الحج وما بعد هما
[1].
قال السيد ابن طاوس:
"ونزيد هاهنا بأن نقول: إنك تدخل في هذا الشهر إلى موائد قوم أطهار، و فوائد ديوان مطلعٍ على الأسرار، فتطهرْ من دنس المعاتبات ونجس المعاقبات، وتفقد جوارحك من الأقذار قبل اقتحام مساجد الأبرار، واغسل ما عساك تجده من وسخ في قلبك، وحجاب دينك المفرق بينك وبين ربك.
".. فإذا تطهرَتِ الجوارح من القبائح، وخلعْتَ ثياب الفضائح، فالبس ثوباً من العمل الصالح مناسباً لثياب من تدخل إليهم، وتحضر بين يديهم، وقدم قدم السكينة والوقار ومُدَّ يد المسألة والإعتبار، وقف موقف الذلة والإنكسار، واجلس مجلس السلامة من الإعتذار".."
واذكرني في ذلك المقام الشريف، ألا إنما ضيف الكرام يضيف. عرِّض بذكري عندهم عساهم إن سمعوك سائلوك عني".
(2)
يقول الإمام القائد الخامنئي(دام ظله): "هذه الأيام هي أيام العشرة الأُولى من شهر ذي الحجة وهي من أبرز الأيام على طول السنة بلحاظ المناسبات والذكريات القيّمة للأئمة الأطهار(عليهم السلام) التي تصادف هذه الأيام من جهة، وبلحاظ المسائل المرتبطة بعيد الأضحى المبارك وهو عيد المسلمين العظيم، والذي له معنىً رمزياً مهمّاً وهو مسألة الأضحية في هذا اليوم العظيم من جهة أُخرى، وما يتعلّق بيوم عرفة وهو يوم الدعاء والتضرّع والتوسّل إلى الله سبحانه وتعالى من جهة ثالثة".
العشر الأوائل
تجمع كلمات العلماء على فضيلة خاصة للعشر الأوائل من شهر ذي الحجة، وقد وردت لها أعمال خاصة، وتشترك في عظيم فضلها - بالإضافة إلى أعمالها- التي تدل على خصوصية، عدة أسباب وهي كما يلي:
1- أنها الأيام المعلومات:
{وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق* ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير}. [ الحج 27- 28 ].
ذكر الشيخ الطوسي عن الإمام الصادق(عليه السلام): "الأيام المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة".
2- أنها العشر التي ورد الحديث عنها في ميقات النبي موسى(عليه السلام)، في قوله تعالى:
أ- "وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة.." البقرة 51
ب- "وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة.." الأعراف142
3- أن لياليها هي الليالي العشر التي أقسم بها الله تعالى:
في قوله سبحانه: {والفجر. وليالٍ عشر. والشفع والوتر} الفجر2-4
الرأي الأبرز لدى المفسرين من الفريقين أنها عشر ذي الحجة، وأن الشفع هو عاشرها يوم النحر، والوتر هو تاسعها يوم عرفة.
قال الشيخ الطوسي: "وهي العشر الأُوَل من ذي الحجة شرفها الله تعالى ليسارع الناس فيها إلى عمل الخير، واتقاء الشر، على طاعة الله في تعظيم ما عظم, وتصغير ما صغره، وينالون بحسن الطاعة الجزاء بالجنة".
4- الأيام المعدودات:
ويشير الشيخ بقوله: والمعدودات ثلاثة أيام بعدها إلى قوله تعالى: "واذكروا الله في أيام معدودات..". البقرة203
المراقبات في هذه الأيام:
قال السيد ابن طاووس:
"إعلم أن تعيين الله جل جلاله لأوقات معينة يذكر فيها جل جلاله دون غيرها، يقتضي:
تعظيمها
والإشتغال فيها بذكره الشريف بالعقول والقلوب.
وأن لا يخلهيا العبد من تذكير نفسه بأنها حاضرة بين يدي علام الغيوب.
وأن يلزمها المراقبة التامة في حركاته وسكناته، ويطهرها من دنس غفلاته..
حيث إنها أوقات اختارها الله جل جلاله لذكره، وجعلها محلاً لخزانة سره، وأهلاً لتشريفها بتعظيم قدره، ومنزلاً لإطلاق بره، ومنهلاً للتلذذ بكؤوس شكره".
عظمة هذه الأيام:
أورد السيد ابن طاووس عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: ما من أيام أزكى عند الله تعالى ولا أعظم أجراً من خيرٍ في عشر الأضحى، قيل : ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال صلى الله عليه وآله: ولا الجهاد في سبيل الله, إلا رجل خرج بماله ونفسه ثم لم يرجع من ذلك شيء".
الأعمال المشتركة فيها:
أولاً: صلاة كل ليلة من الليالي العشر:
عن الإمام الصادق جعفر بن محمد(عليهما السلام) قال: قال لي أبى محمد بن على عليهما السلام : "يا بني لا تتركن أن تصلى كل ليلة بين المغرب والعشاء الآخرة من ليالي عشر ذي الحجة ركعتين، تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب و"قل هو الله أحد" مرة واحدة، وهذه الآية: "وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين".
فإذا فعلت ذلك شاركت الحاج في ثوابهم وإن لم تحج.
ثانياً: هدية الله تعالى إلى عيسى(ع):
عن أبى جعفر عليه السلام قال: إن الله تعالى أهدى إلى عيسى بن مريم(عليه السلام) خمس دعوات جاء بها جبرئيل(عليه السلام) في أيام العشر، فقال: يا عيسى ادع بهذه الخمس الدعوات فإنه ليست عبادة أحب إلى الله “من” عبادته في أيام العشر - يعنى عشر ذي الحجة:
أولهن: أشهد إن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
والثانية: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحداً صمداً، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا.
والثالثة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحداً صمداً لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
والرابعة: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
والخامسة: حسبي الله وكفى سمع الله لمن دعا، ليس وراء الله منتهى، أشهد لله بما دعى، وأنه بريء ممن تبرى، وأن لله الآخرة والأولى.
قال الحواريون لعيسى عليه السلام: يا روح الله ما ثواب من قال "هذه" الكلمات؟
قال: أما من قال الأولى مائة مرة، لا يكون لأهل الأرض عمل أفضل من عمله ذلك اليوم، وكان أكثر العباد حسناتٍ يوم القيامة.
ومن قال الثانية مائة مرة فكأنما قرأ التوراة والإنجيل اثنتي عشرة مرة وأعطى ثوابها.
قال عيسى عليه السلام: يا جبرئيل وما ثوابها؟ (أي ثواب من قرأ التوراة والإنجيل).
قال: لا يطيق أن يحمل حرفاً واحداً من التوراة والإنجيل من في السماوات السبع من الملائكة حتى أبعث أنا وإسرافيل لأنه أول عبد قال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن قال الثالثة مائة مرة كتب الله عشرة آلاف حسنة ومحى عنه بها عشرة آلاف سيئة، ورفع له بها عشرة آلاف درجة، ونزل سبعون ألف ملك من السماء، رافعي أيديهم يصلون على من قالها.
فقال عيسى عليه السلام: يا جبرئيل هل "تصلي" الملائكة إلا على الأنبياء "فقال": إنه من آمن بما جاءت به الرسل والأنبياء ولم يبدل أعطي ثواب الأنبياء.
ومن قال الرابعة مائة مرة تلقاها ملك حتى يصعد بين يدي الجبار عز وجل فينظر الله عز وجل إلى قائلها، ومن نظر الله تعالى إليه فلا يشقى.
قال عيسى عليه السلام: يا جبرئيل ما ثواب الخامسة؟ فقال: هي دعوتي ولم يؤذن لي أن أفسرها لك.
ثالثاً: الدعاء
روى أبو حمزة الثمالي قال: كان أبو عبد الله(عليه السلام) يدعو بهذا الدعاء من أول عشر ذي الحجة إلى عشية عرفة في دبر الصبح وقبل المغرب، يقول: "اللهم هذه الأيام التي فضلتها على الأيام وشرفتها قد بلغتنيها بمنِّك ورحمتك فأنزل علينا من بركاتك وأوسع علينا فيها من نعمائك. أللهم إني أسألك أن تصلي على محمدٍ وآل محمد وأن تهدينا فيها لسبيل الهدى والعفاف والغنى والعمل فيها بما تحب وترضى...". (راجع مفاتيح الجنان).
رابعاً: التهليل:
عن أمير المؤمنين(صلوات الله عليه) أنه كان يقول في كل يوم من أيام العشر هذه الكلمات (عشر مرات): "لا إله إلا الله عدد الليالي والدهور، لا إله إلا الله عدد أمواج البحور، لا إله إلا الله ورحمته خير مما يجمعون، لا إله إلا الله عدد الشوك والشجر، لا إله إلا الله عدد الشعر والوبر. لا إله إلا الله عدد الحجر والمدر، لا إله إلا الله عدد لمح العيون، لا إله إلا الله في الليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس، لا إله إلا الله عدد الرياح في البراري والصخور، لا إله إلا الله من اليوم إلى يوم ينفخ في الصور".
ثم تذكر الرواية ثواباً عظيماً لهذا الذكر يبهر العقول، جاء في جانب منه "من قال في كل يوم من أيام العشر عشر مرات هذا التهليل أعطاه الله عز وجل بكل تهليلة درجة في الجنة".
خامساً: الصوم:
يقول الشيخ عباس القمي(ره): "صيام الأيام التسّعة الأول منها فانّه يعدل صيام العمر كلّه".
ملاحظة:
للمزيد من التوسع يراجع كتاب "أيام معلومات" لسماحة العلامة الشيخ حسين الكوراني(دامت بركاته) فقد جمع فيه أعمال ومراقبات و بركات الأيام العشر الأوائل من شهر ذي الحجة الحرام. وقد استفدنا منه لإعداد هذه المحاضرة.
[1] بالاستفادة من كلمات الشيخ حسين الكوراني(زيد عزه).