بسم الله الرحمن الرحيم
يجزم المتأمل في سيرة الشهيد مسلم، وبمنتهى اليسر أنه من معدن "أهل البيت" عليهم السلام، وليس كل الطالبيين من هذا المعدن، ولا كل من وقف في المفاصل مع علي وآله عليهم السلام على نسق واحد، هو نسق الحمزة أسد الله وأسد رسوله، وجعفر الطيار ذي الجناحين، إلا أن الشهيد مسلماً من هذا السرب والنسق، وهو ما يتضح بالوقوف عند المرتكزات التالية:
وصف الإمام الحسين(عليه السلام) الشهيد مسلماً بأنه ابن عمه وأخوه وثقته من أهل بيته، ولا يخفى أن دلالة وصفي "أخي وثقتي من أهل بيتي" على عظيم منزلة هذا الشهيد القائد. على عظيم منزلة هذا الشهيد القائد.
ذكر الشيخ المفيد, بأن الإمام الحسين(عليه السلام) ذكر في رسالته لأهل الكوفة
:"و إني باعثٌ إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل". (1)
1- من أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله
بالإضافة إلى"أخوة" الإمام الحسين عليه السلام، و"ثقته" وبالإضافة إلى كل ما تأسى فيه الشهيد مسلم بسيد الشهداء(عليه السلام)، من الغربة والعطش في الكوفة وفي كبد الصحراء، والجهاد والشهادة، فهو يُذكر مع الحسين عليه صلوات الرحمن في عداد "أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله". الإمام الحسين عليه السلام، ووبالإضافة إلى كل ما تأسى فيه الشهيد مسلم بسيد الشهداء(عليه السلام)، من في الكوفة ، ، فهو يُذكر مع الحسين عليه صلوات الرحمن في عداد
و أما شبه الشهيد مسلم بالمصطفى الحبيب(صلى الله عليه وآله)، فقد قال فيه ابن حبان:
"مسلم بن عقيل بن أبى طالب الهاشمي, كنيته أبو داود, وكان أشبه ولد عبد المطلب بالنبي صلى الله عليه(وآله) وسلم".(2)
2- العالم:
ليس كل من يُروى عنه عِلم بعالم، إلا أن من ثبت له من سمو المنزلة بعض ما ثبت للشهيد مسلم، يجدر التوقف عند ما يرد في كتب العلماء من قولهم فيه : "سمع منه"، أو "روى عنه"، مع ملاحظة من روى عنه بالواسطة.، أو ، مع ملاحظة من روى عنه بالواسطة.
3- الزاهد:
ليس الزهد إلا حسن الإشتباك بالدنيا، ومقياس الحسن والقبح شرعي، فبما أن أصل الإشتباك لابد منه، فليكن حسناً، ولا حسن اشتباك بالدنيا إلا بتجنب الدخول حتى في ما يجمل اجتنابه وعدم الدخول فيه، وترتبط درجة الزهد بدرجة هذا الإجتناب.
من هنا كان اجتناب المتصدي للمسؤولية العامة تناول شيء ولو يسير من المال العام، يكشف عن درجة متقدمة من الزهد، وكلما كان الثمن الذي يدفعه نتيجة هذا الإجتناب أكثر كانت درجة هذا الزهد أكبر.
و الإشارة إلى زهد الشهيد يحملها النص الذي يتحدث عن وصيته على أبواب الشهادة حين قال لابن سعد عن مبلغ استدانه في الكوفة، وهو ما تجمع مصادر أساسية على أصله وتفصيله، وإن اختلف بعضها في كيفية التفصيل، فجاء ذلك كما يلي:
في تاريخ الطبري
: "فقال له: إن عليَّ بالكوفة ديناً, إستدنته منذ قدمت الكوفة, سبعمائة درهم فاقضها عني".(3)
و لعل أهم إشارتين يحملهما النص هما:
· أن الشهيد
لم يتناول شيئاً من المال العام, رغم أن ما وصل إليه استدعى تعيين شخص لقبض المال، وشراء السلاح، وهو الشهيد أبو ثمامة الصائدي (35)
· وأن سيفه ودرعه كانا ملكاً شخصياً, لم يبعهما بدل أن يستدين عندما احتاج إلى ذلك بحجة أن في متناوله من السلاح الكثير، وإذا كان سبب استدانته هذا المبلغ هو شراؤه السيف والدرع فالدلالة أبلغ بكثير.
4- العابد
أذكر في هذا السياق أربعة نصوص تحمل إشارات هامة:
· الأول: "فلما سمع مسلم صهيل الخيل عجل في دعائه الذي كان مشغولاً به بعد صلاة الصبح". (4)
· الثاني: عندما أثخن بالجراح وأعتقل, قال: "أين أمانكم إنا لله وإنا إليه راجعون"، وبكى. فقال له عمرو بن عبيد الله بن عباس: إن من يطلب مثل الذى تطلب إذا نزل به مثل الذى نزل بك لم يبك. قال: "إني والله ما لنفسي أبكي، ولا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم أحبَّ لها طرفة عين تلفاً، ولكن أبكي لأهلي المقبلين إلي! أبكي للحسين وآل الحسين". فقال له عمرو بن عبيد الله بن عباس: إن من يطلب مثل الذى تطلب إذا نزل به مثل الذى نزل بك لم يبك.
ثم أقبل على محمد بن الأشعث
فقال: يا عبد الله إني أراك والله ستعجز عن أماني فهل عندك خير، تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً على لساني يبلغ حسيناً فإني لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم مقبلاً, أو هو خارج غداً، هو وأهل بيته. وإنَّ ما ترى من جزعي، لذلك، فيقول: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم أسير، لا يرى أن يمسي حتى يقتل وهو يقول إرجع بأهل بيتك".(5)
وروح العبادة لدى التأمل حب الله تعالى، ومحوره ودليله حب رسول الله صلى الله عليه وآله، وجوهره حب الحسين عليه السلام بشكل خاص, باعتبار أنه الإمتحان الذي يكشف عن النجاح في حب أهل البيت جميعاً عليهم صلوات الرحمن، وبالتالي في حب المصطفى الحبيب وحب الله تعالى.
· الثالث: النص الذي يتحدث عن لحظة صعودهم بالشهيد مسلم إلى أعلى القصر، وهوكما يلي: "فصعد به وهو يكبِّر ويستغفر ويصلي على ملائكة الله ورسله، وهو يقول: أللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وخذلونا".
يضيف النص: "نزل الأحمري بكير بن حمران الذى قتل مسلماً, فقال له ابن زياد: قتلته؟ قال نعم. قال(ابن زياد) فما كان يقول وأنتم تصعدون به؟ قال
: كان يكبر، ويسبح، ويستغفر، فلما أدنيته لأقتله قال: أللهم احكم بيننا وبين قوم كذبونا وغرونا وخذلونا وقتلونا ". (6)
5- القائد الجهادي
المواجهة بين مسلم و الجيش تكشف عن فارس صقلته التجارب./ ننقل نقاط من مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) – لآية الله العظمى الشيخ محمد رضا الطبسي(قده).
· أول دفعة من العسكر كانت 500 فارس – قتل منهم مسلم 180.
· الدفعة الثانية 500 فارس – قتل منهم مسلم مقتلة عظيمة.
عندها أرسل ابن الأشعث إلى ابن زياد: "أدركني بالخيل و الرجال", فأجابه: ثكلتك امك.., رجل واحد يقتل منكم هذه المقتلة العظيمة؟؟!!
فكتب إليه(الأشعث): أتظن أنك أرسلتني إلى بقالٍ من بقالي الكوفة!... أولم تعلم أنك وجهتني إلى بطل ضرغام وليث همام و سيف من أسياف رسول الله(ص).
6- والد الشهداء الأربعة
للشهيد مسلم خمسة أولاد, استشهد من أولاده أربعة, اثنان منهم في كربلاء، واثنان بعدها في الكوفة(رضوان الله عليهم أجمعين).
7- و فنائه في محبة الإمام الحسين وآله(عليهم السلام):
أ- يقول المؤرخون: "ثم تكاثروا عليه وقد اشتد به العطش, فطعنه رجل من خلفه فسقط إلى الأرض وأُسر(1). وقيل: أنهم عملوا حفيرة وستروها بالتراب وانكشفوا بين يديه حتى إذا وقع فيها أسروه (2).
ولما أركبوه البغلة وانتزعوه سيفه دمعت عينه، فقال له عمرو بن عبيد الله بن العباس السلمي: إن الذي يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل ما نزل بك لم يبكِ، فقال ـ عليه السلام ـ : "ما على نفسي أبكي, ولكن أبكي لأهلي المقبلين إليكم، أبكي للحسين وآل الحسين".(3)
1) ابن شهر آشوب في المناقب ج2 ص212.
2) المنتخب للطريحي .
3) تاريخ الطبري ج6 ص211.
ب- ثم أقبل على محمد بن الأشعث
فقال: "يا عبد الله إني أراك والله ستعجز عن أماني فهل عندك خير، تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً على لساني يبلغ حسيناً؟ فإني لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم مقبلاً أو هو خارج غداً، هو وأهل بيته. وإنَّ ما ترى من جزعي، لذلك، فيقول: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم أسير، لا يرى أن يمسي حتى يقتل وهو يقول إرجع بأهل بيتك".(5)
ج - أن ابن عقيل طلب من ابن زياد أن يوصي إلى بعض قومه، فأذن له، فنظر إلى الجلساء فرأى فيهم ابن سعد فقال له: «أن بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة، ويجب عليك نجح حاجتي وهي سر» فأبى أن يمكّنه من ذكرها، فقال ابن زياد: لا تمتنع من النظر في حاجة ابن عمك. فأبى أن يمكّنه من ذكرها، فقال ابن زياد: لا تمتنع من النظر في حاجة ابن عمك.
فقام معه بحيث يراهما ابن زياد فأوصاه مسلم(عليه السلام) "أن يقضي من ثمن سيفه ودرعه، دينا إستدانه منذ دخل الكوفة يبلغ ستمائة درهم(1)، وأن يستوهب جثّته من ابن زياد، ويدفنها، وأن يكتب إلى الحسين بخبره".
فأفشى ابن سعد جميع ذلك إلى ابن زياد فقال ابن زياد: لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن(2).
1) في الأخبار الطوال ص241 يبلغ ألف درهم ، وفي تاريخ الطبري ج6 ص212 يبلغ سبعمائة درهم.
2) الإرشاد.
د - لما أكثر مسلم(عليه السلام) من الطعن على ابن زياد في حسبه ونسبه أمر رجلا شاميا(*) أن يصعده إلى أعلا القصر، ويشرف به على موضع الجزّارين(1)، ويضرب عنقه، ويرمي بجسده ورأسه إلى الأرض.
فأصعده الشامي، ومسلم يسبّح الله ويكبّره ويستغفره ويقول: "اللهم أحكم بيننا وبين قوم كذبونا وغرونا وخذلوناوقتلونا".(2)
ثم صلى ركعتين(3) وتوجه نحو المدينة وسلم على الحسين(4) فضرب الرجل عنقه ورمى بجسده إلى الأرض كما أمره ابن زياد.( 5) ونزل مذعورا فسأله ابن زياد عما دهاه قال: رأيت ساعة قتله رجلا أسود سيّء الوجه حذائي عاضّا على إصبعه، فقال له: لعلك دهشت!( 6) قصدا لتعمية الأمر على الجالسين حوله لئلا يفشوا الخبر فتزداد عقيدة الناس بداعية الحسين(عليه السلام). فضرب الرجل عنقه ورمى بجسده إلى الأرض كما أمره ابن زياد. ونزل مذعورا فسأله ابن زياد عما دهاه قال: رأيت ساعة قتله رجلا أسود سيّء الوجه حذائي عاضّا على إصبعه، فقال له: لعلك دهشت! قصدا لتعمية الأمر على الجالسين حوله لئلا يفشوا الخبر فتزداد عقيدة الناس بداعية الحسين(عليه السلام).
*) مقتل الخوارزمي . ومنه يعرف الإضطراب في نقل ابن جرير فإنه نص على أن بكير الأحمري هو الذي أصعده إلى أعلا القصر ، وقبل هذا ذكر أن مسلما ضربه على عاتقه حتى كاذت أن تطلع إلى جوفه ، ومثل هذا الجريح هل يستطيع القيام بقتله.
1) في إرشاد الشيخ المفيد موضع الحذائين.
2) الطبري ج6 ص213.
3) رياض المصائب ص68.
4) أسرار الشهادة ص258.
5) ابن الأثير ج4 ص15.
6) اللهوف لابن طاووس ص31.
|
فإن كنتَ لا تدرين ما الموت فانظري
|
*
|
إلى هانــىء في السوقَ وابن عقيلَ
|
|
إلى بطـل قــد هشّم السيـف أنفهُ
|
*
|
وآخر يهـوي من طمــار قتيــل
|
|
أصابهما أمر الأميــر فأصبحــا
|
*
|
أحاديث من يســري بكل سبيــل
|
|
ترى جســدا قد غيّـر الموت لونه
|
*
|
ونضح دم قـد ســال كــل مسيل
|
|
فتــى هـو أحيــا من فتاة حييّة
|
*
|
وأقطـع من ذي شفرتيــن قتيــل
|
|
أيركب أسمـاء الهماليــج آمنــا
|
*
|
وقـد طلبـتــه مذحـج بذحــول
|
|
تطوف حوالـيــه مــراد وكلهم
|
*
|
على رقبــة من سائــل ومسـولِ
|
|
فإن أنتــم لم تثــأروا بأخيكــم
|
*
|
فكونوا بغايـا أرضيــت بقليــل
|
الهامش:
(1) الشيخ المفيد، الإرشاد2/39 وقد أورده نقلاً عنه: المجلسي، البحار44/334 والبحراني، العوالم: الإمام الحسين عليه السلام84. والسيد الخوئي19/165-166.
(3) الطبري4 / .282
(4) المقرم 158.
(5) الطبري، 4/280.
(6) الطبري4/281-182. وقد ورد في المصدر في كلام الشهيد " وأذلونا" وهو تصحيف " خذلونا" بقرينة آخر النص وقرائن الحال.
(7) لا يتبنى ذلك بعضهم. انظر: العصفري، تاريخ خليفة بن خياط179.
ملاحظة: تمت الإستفادة لإعداد هذا المقال من كتاب في محراب كربلاء(أحداث الكوفة) للعلامة الشيخ حسين كوراني. و كتاب الشهيد مسلم بن عقيل للعلامة السيد عبد الرزاق المقرم(ره).
الشيخ علي المسترشد